عبد الملك الجويني

141

الشامل في أصول الدين

والوجه الذي لأجله أوجب العلم كون العالم عالما ، ليس يختلف شاهدا وغائبا . وإيضاح ذلك : أن العلم في حق الواحد منا ، لم يوجب كون محله عالما من حيث كان حادثا ، ولا من حيث كان عرضا ، ولا من حيث كان موجودا ، إذ هذه الصفات تثبت لأضداد العلم ، ثبوتها للعلم . فثبت أنه إنما أوجب كون محله عالما من حيث كان علما ، وهذا ما لا يختلف فيه علم القديم وعلم المحدث ، فدل على أن العلمين مشتركان في الوصف الذي يوجب كون العالم عالما ، فما أوجب الحكم لم يختلفا فيه ، بل اشتركا فيه ، وما اختلفا فيه من حيث الصفات ، ليس شيء منها مقتضيا حكمه . فإن قالوا : هذا الذي قدرتموه في العلمين محقق في أخص السواد والبياض ، وذلك أن كون السواد سوادا ، وإن كان في حكم المخالفة لكون البياض بياضا ، فقد استويا في كونهما أخصين . فهذا الوجه الذي يوجب التماثل ، والوصفان مشتركان فيه كاشتراك العلمين في الوصف المقتضي للحكم الموجب له ، وهذا من أهم أسئلة القوم ، وهذا أقصى مضطربهم . ونحن الآن نوضح فساده بأقرب طريق إن شاء اللّه . وذلك أنا نقول : كون العلم عندنا علما على القول بالأحوال ، حال للعلم ، وصفة له زائدة على ذاته ، فلم يبعد منا أن نقول : إنما أوجب العلم حكمه لكونه علما ، لما كان كونه علما وصفا زائدا على الذات . فأنتم إذا زعمتم أن كون السواد سوادا ، إنما اقتضى المماثلة والمخالفة ، من حيث كان أخص . قيل لكم : كون السواد أخص لا يخلو : إما أن ينبئ عن وصف زائد عليه ، أو لا ينبئ عن وصف زائد . فإن لم يقتض كون السواد أخص ، وصفا زائدا وحالا ، فقد بطل التمسك به . والمصير إلى كون السواد سوادا يوجب التماثل من أجله ، فإن ما لم يثبت أصلا ، كيف يحال عليه وجه إيجاب التماثل ؟ وإن زعمتم أن كونه أخص ، وصف زائد له ، فيلزم من ذلك استحالة لا يرتضيها محقق . وذلك أن الأخص لو اقتضى وصفا بخصوصه ، لاقتضى الأعم وصفا لعمومه ، إذ ليس أحدهما أولى بذلك من الثاني . ثم إذا قدرنا الوصف الأخص وصفا من أجله اختص ، لم يخل ذلك الوصف من أن يكون خاصا أو عاما . فإن كان خاصا ، وجب أن يثبت له حال لخصوصه . وكذلك القول في وصف الوصف ، وحال الحال . وهذا يتسلسل فيه المقال ، وهو باطل اتفاقا . وإن كان ذلك الوصف المقدر للخاص عاما ، لزم أن يثبت له وصف لعمومه ، ثم يلزم منه ما قدمناه . على أنه يستحيل أن يكون المقتضي للاختصاص الخاص عاما ، إذ العام لا يوجب اختصاصا ، بل يوجب عموما . فإن قالوا : لا يثبت للوصف المقتضي كون السواد أخص حالا ، إذ الأحوال ، لا أحوال لها .